محمد بيومي مهران

219

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

نعرفها قد صيغت وعدلت كثيرا ، ثم وجدت قبولا رسميا في أوائل أيام الأسرات ، وهذا قول لا يمكن إثباته بالتأكيد ، ولكننا نستطيع القول أن العوامل الاقتصادية . وحاجة الناس إلى وسيط يكون بينهم وبين آلهتهم ، لتحقيق ما يمكن أن نسميه « بالأمن الوقائي » ضد كل ما يصيبهم بأذى من قريب أو بعيد ، ثم بدأ الملوك ينسبون أنفسهم - بعد قيام الوحدة وإخضاع الدلتا - إلى الإله « حور » ، خليفة أبيه « أوزير » - آخر الآلهة العظام الذين حكموا مصر في عصور ممعنة في القدم - ومنذ الأسرة الخامسة ( حوالي عام 2480 ق . م ) ، يصبح الملوك أبناء للإله « رع » من صلبه ، وفي عصور تالية ، وحين يصبح آمون - سيد الآلهة وكبيرهم - يصبحون أبناء له . ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ألوهية الفرعون لم تكن بمعنى أنه خالق الكون ومدبره أو أن له سلطانا في عالم الأسباب الكونية ، إنما كان يدعي الألوهية على شعبه ، بمعنى أنه حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه ، وأنه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضي الأمور ، كما أشرنا من قبل ، كذلك لم يكن الناس ، في مصر يتعبدون إلى فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له ، فقد كانت لهم آلهتهم ، كما كان لفرعون نفسه آلهته التي يعبدها كذلك ، كما هو ظاهر ، من قول الملأ له « ويذرك وآلهتك » ، وكما يثبت ذلك تاريخ مصر في العصور الفرعونية ، ومن هنا فإن هذا الملك المؤله لم تكن تقام له المعابد ، كما كانت تقام لغيره من الآلهة ، كما لم تكن تقدم له القرابين « 1 » ، وأن تسميته بالإله العظيم لم تقف حائلا ، دون أن تكون له شخصية بشرية ، وأن طبيعته لم تمنع القوم من أن ينظروا إليه كحاكم بشري ، له أملاكه الخاصة ومخازنه ودواوينه الخاصة .

--> ( 1 ) قارن حالات : أمنحتب الثالث ورعمسيس الثاني والثالث ( محمد بيومي مهران - الحضارة المصرية - الإسكندرية 1984 ص 128 ) .